ينتهي الترافع في القضية ثم يبدأ خلاف جديد: المحامي يطالب ببقية الأتعاب، بينما يرى الموكل أن العقد شمل أعمالًا لم تُنجز، أو أن بعض الدفعات سُددت، أو أن التوكيل انتهى قبل تحقق النتيجة المتفق عليها. وفي كثير من هذه النزاعات لا يكون السؤال «كم يستحق المحامي عادةً؟» بل: ما نطاق العقد، وما الذي أنجز فعليًا، وهل استحقت الدفعة، وما المحكمة المختصة بتقدير الباقي؟
يتناول هذا الدليل نزاع أتعاب المحاماة بعد انتهاء القضية في السعودية وفق التعديل الأخير للمادة 26 من نظام المحاماة الصادر بالمرسوم الملكي (م/21) لعام 1447هـ والمنشور في جريدة أم القرى بتاريخ 1 أغسطس 2025، إضافة إلى المواد 24–27 من اللائحة التنفيذية لنظام المحاماة لعام 1446هـ. ويختلف هذا النوع من الدعاوى عن مطالبة خصم خاسر بتعويض عن أتعاب التقاضي؛ فالخلاف هنا بين المحامي وموكله عن عقد تقديم الخدمات القانونية.

المادة 26 بعد تعديل 2025: متى تقدر المحكمة أتعاب المحامي؟
الأصل أن يحدد المحامي وموكله الأتعاب وطريقة سدادها باتفاق. لكن المادة السادسة والعشرين المعدلة تقرر أنه إن لم يوجد اتفاق أو كان باطلًا أو فُسخ أو انفسخ، قدرت المحكمة التي نظرت في القضية الأتعاب عند اختلاف الطرفين بناءً على طلب المحامي أو الموكل، بما يتناسب مع جهد المحامي والنفع الذي عاد على الموكل. ويسري الحكم كذلك إذا نشأت دعوى فرعية عن الدعوى الأصلية.
هذا النص أدق من الشروح القديمة التي كانت تسرد «الاتفاق المختلف فيه» ضمن أسباب التقدير دون الإشارة إلى الصياغة المعدلة. أما مجرد خلاف الطرفين بشأن تفسير بند في عقد صحيح وقائم، فيستلزم أولًا إثبات معنى البند وشروط استحقاقه. ولا يجوز القفز آليًا إلى نسبة مئوية من قيمة الدعوى أو إلى أتعاب مقدرة من دون فحص العقد والحالة التي تسمح بالتقدير القضائي.
المادة 24 من اللائحة: لماذا أصبح العقد المكتوب مهمًا؟
توجب المادة الرابعة والعشرون من اللائحة التنفيذية الحديثة على المحامي تحرير عقد مكتوب مع موكله قبل بدء العمل المتفق عليه، وتنص على استحقاق الأتعاب وفقًا للعقد. ولهذا يجب التأكد من هوية الطرفين وصفة الموقّع، وتحديد القضية أو نوع الخدمة، والمرحلة المشمولة، ومقدار المقابل ومواعيد السداد، ومتى تُستحق دفعة النجاح إن وجدت، وطريقة المحاسبة عند الفسخ أو العزل.
إذا تعذر العثور على عقد مكتوب، فلا يعني ذلك أن العمل المثبت يصبح مجانيًا حتمًا، لكن النزاع يحتاج إلى فحص سبب غياب العقد وقيمة العمل وأدلته وفق النصوص ذات الصلة. وقد تُستخدم رسائل الاتفاق والتحويلات وسجل الأعمال لإثبات ما تم بين الطرفين، مع مراعاة أن اللائحة تلزم بتحرير العقد كتابة. من المهم التفريق بين واجب المحامي المهني بالتوثيق وبين نتيجة الدعوى المدنية لتقدير مستحقات عن خدمات قدمت؛ فهما مسألتان ليستا متطابقتين.
أي محكمة تختص بنزاع أتعاب المحاماة؟ المادة 25
تحسم المادة الخامسة والعشرون من اللائحة نقطة الاختصاص بحسب صلة العمل بالدعوى: إذا كانت خدمات المحامي مرتبطة بدعوى نظرتها محكمة، فيكون الاختصاص في منازعة الأتعاب لدى المحكمة التي نظرت الدعوى. أما إذا كان العمل مرتبطًا بنزاع أمام جهة غير المحكمة، أو كان مجرد استشارات وصياغة عقود لا ترتبط بخصومة قضائية، فيحدد الاختصاص النوعي للمحاكم وفق الأنظمة ذات الصلة؛ فلا يصح تعميم أن أي دعوى أتعاب تنظرها المحكمة العامة أو التجارية فقط.
فمثلًا إذا تعاقدت شركة مع محامٍ لتمثيلها في قضية تجارية قائمة أمام محكمة، فقد يكون مرجع الاختصاص المادة 25/1، في حين يحتاج عقد استشارات تأسيس شركة دون دعوى قضائية إلى فحص نوع الخدمة والصفة التجارية والاختصاص المحدد نظامًا. وإذا تضمن العقد أعمالًا متنوعة ـ تمثيل دعوى واستشارات مستقلة وتنفيذ حكم ـ فيجب تحديد ما إذا كان النزاع قابلًا للتقسيم بحسب العمل والجهة المختصة، وعدم جمع مطالبات غير متجانسة في صحيفة واحدة دون مراجعة الاختصاص.
معايير تقدير الأتعاب: المادة 27 من اللائحة
تقرر المادة السابعة والعشرون من اللائحة أن تقدير أتعاب المحامي يتم من خبير بقرار من المحكمة في الحالات المشار إليها فيها، وتذكر عوامل عملية تشمل نوع العمل وطبيعته، والجهد المبذول، والنفع العائد على العميل، وأتعاب العمل المماثل في السوق المحلية، وأثر العقد على العلاقة بعملاء آخرين، وطبيعة العلاقة ومدتها، وخبرة المحامي وسمعته المهنية. ليست هذه العوامل جدول رسوم إلزامي أو نسبة ثابتة لجميع الدعاوى؛ المحكمة تنظر لكل واقعة وأدلتها.
يفيد المحامي أن يقدم ملفًا مرتبًا للمذكرات والطلبات والاجتماعات والجلسات والعمل البحثي، مع بيان أثر هذا العمل على مركز الموكل القانوني. ويستفيد الموكل من تقديم نسخة العقد والمراسلات التي تحدد النطاق، وإيصالات الدفعات وما يثبت الأعمال التي لم تُنجز أو أنجزها محامٍ آخر. ولا تقاس الخدمة بعدد الصفحات وحده؛ فقد تكون مذكرة واحدة مؤثرة بعد مراجعة ملف ضخم، وقد تكون عشرات المكاتبات مكررة وغير منتجة.
هل يخسر المحامي كامل أتعابه إذا خسر الدعوى؟
ليس ذلك نتيجة تلقائية. الأصل أن علاقة المحامي بموكله تحكمها الالتزامات المهنية والعقدية، ولا تعني خسارة القضية وحدها عدم بذل الجهد أو عدم استحقاق مقابل العمل الذي شمله العقد. وبالمقابل لا تمنح مهنة المحاماة حصانة من المسؤولية عند وجود إخلال مهني أو تعاقدي ثابت ألحق ضررًا، ولا تثبت أتعاب عن مرحلة لم تدخل ضمن العقد أو لم يتحقق شرط استحقاقها، بحسب الوقائع والوثائق.
إذا ربط العقد جزءًا من الأتعاب بـ«النجاح»، فليُسأل أولًا: ما تعريف النجاح المتفق عليه؟ الحصول على حكم ابتدائي؟ اكتساب النهائية؟ تحصيل المبلغ من المدين؟ تحقيق تسوية بمقدار معين؟ وماذا إذا انسحب الموكل من الدعوى أو قبل صلحًا قبل صدور حكم؟ لا يجوز استبدال هذا التحليل باستنتاج أن أي حكم لصالح الموكل يوجب دفع المبلغ كاملًا، أو أن مجرد خسارة الاستئناف تسقط مستحقات التمثيل في الدرجة الأولى.
أثر عزل المحامي أو فسخ اتفاق الأتعاب قبل نهاية القضية
تنظم المادة 27 من نظام المحاماة أثر عزل الموكل محاميه، وتقرر أصلًا خاصًا بالأتعاب المتفق عليها إذا ثبت أن العزل لسبب غير مشروع، مع سلطة المحكمة المختصة وفق نص المادة. لكن تطبيق هذا الحكم ليس تصريحًا بتحصيل كامل الأتعاب في كل حالات إنهاء التوكيل؛ إذ يتطلب تحديد سبب العزل ومرحلة العمل والعقد والوقائع محل الخلاف. ويلزم وفق المادة 26 من اللائحة إشعار المحامي كتابةً عند العزل.
إذا فسخ الطرفان العقد باتفاق، فالأفضل توقيع محضر تصفية يبين مجموع الدفعات، وقيمة الأعمال المنجزة، وما يرد للموكل أو يستحق للمحامي، ومآل الملفات والأوراق والمواعيد التي ما زالت قائمة. وإذا تخلى المحامي عن الوكالة من جانبه، فلا يكفي وصف ذلك بأنه «انسحاب مشروع» دون بحث التزاماته المهنية وسبب الإنهاء وأثره على القضية. والحسم في النزاع يختلف عن تقديم شكوى تأديبية: الشكوى تبحث في السلوك المهني، في حين دعوى الأتعاب تبحث في الاستحقاق المالي والاختصاص.
متى تدخل مصروفات الخبرة والسفر والرسوم ضمن الأتعاب؟
تفصل المحكمة بين مقابل أعمال المحامي والمصروفات التي تحملها نيابة عن الموكل، بحسب العقد والوثائق. فإذا أجرى المحامي ترجمة معتمدة أو دفع مقابل تقرير خبير بموافقة موكله، فينبغي إثبات تلك المدفوعات والفاتورة والسبب الذي ارتبطت به بالقضية. وإذا كانت الأتعاب الإجمالية تشمل المصروفات بنص واضح، فلا تُطالب تلك المصروفات مرة ثانية بلا أساس.
كذلك يجب عدم خلط أتعاب المحامي التي يدفعها موكله بمطالبة موكله خصمه الخاسر بالتعويض عن مصروفات التقاضي عند توافر شروطه؛ فالمطالبتان قد تختلفان في الأطراف وسبب الاستحقاق والجهة المختصة. ويمكن الاطلاع على أتعاب المحامي في القضايا التجارية لمعرفة نطاق الاتفاق على التمثيل التجاري، وعلى تحصيل الديون إذا انتهى التمثيل إلى مطالبة تنفيذية بمبلغ محصل.
جدول مقارنة لأكثر صور نزاع الأتعاب شيوعًا
| صورة النزاع | محور التحقق | دليل عملي |
|---|---|---|
| عقد مكتوب صحيح ودفعة لم تُسدد | حلول موعد الاستحقاق وتحقق الشرط | العقد والإنجاز والفاتورة والتحويل |
| لا يوجد اتفاق أو اتضح بطلانه | التقدير القضائي وفق المادة 26 | الأعمال والنفع والخبرة وظروف الحالة |
| فسخ العقد أو انفسخ قبل النهاية | أثر الفسخ والعمل المنجز والدفعات | إشعارات الإنهاء ومحضر تصفية الحساب |
| عزل المحامي قبل انتهاء الدعوى | سبب العزل والمادة 27 من النظام | خطاب العزل ومحاضر القضية والإخلال المدعى به |
| العمل اقتصر على الاستشارات والعقود | الاختصاص النوعي حسب المادة 25/2 من اللائحة | عقد الخدمات والاستشارات المنفذة |
| اعتراض على أتعاب عن مرحلة التنفيذ | هل شمل العقد التحصيل وتنفيذ الحكم؟ | نص نطاق العمل وطلب التنفيذ والمبالغ المحصلة |
خطوات رفع دعوى أتعاب محاماة أو الدفاع فيها
ابدأ بمحاولة تسوية مكتوبة تحدد المبلغ المختلف عليه دون إقرار غير مدروس. أعد كشفًا موحدًا يبين قيمة العقد، والدفعات وتواريخها، والأعمال المنجزة، والمصاريف، وما ورد في المخالصات السابقة. ثم حدد المحكمة المختصة وفق المادة 25 من اللائحة، وادرس الحاجة إلى طلب تقدير خبير وفق المادة 27 عندما ينطبق. ويمكن استخدام الخدمات العدلية في ناجز بحسب التصنيف القضائي المختص، لكن لا تفترض وجود مسار إلكتروني باسم محدد دون التحقق مما يظهر لحساب صاحب الشأن ونوع الدعوى.
عند إعداد الصحيفة أو الرد القضائي، رتب الوقائع على النحو التالي: تاريخ التعاقد، ونوع القضية، ونطاق الخدمات، وتواريخ الأعمال، والفسخ أو العزل إن وجد، والمبالغ المدفوعة، وأساس طلب القيمة المتبقية أو رد الزائد. لا تضع في الملف وثائق سرية لطرف ثالث لا يلزم عرضها لإثبات النزاع؛ بل قدم ما يحتاج إليه القاضي أو الخبير ضمن الإجراءات المقررة، مع حماية أسرار الموكل وفق المادة 23 من نظام المحاماة.
مثال تطبيقي: عقد مقابل 60 ألف ريال وانتهاء الوكالة بعد الاستئناف
لنفترض أن شركة اتفقت مع محامٍ على مقابل إجمالي قدره 60 ألف ريال لتقديم الدعوى والترافع في درجتين، وسددت 35 ألفًا بعد الدرجة الأولى. ثم أنهت الوكالة قبل رفع لائحة الاستئناف، فاختلف الطرفان في الباقي. لا يمكن القول إن المحامي يستحق 25 ألفًا بمجرد كتابة المبلغ في العقد، ولا إنه يجب رد جميع المبالغ لأن الاستئناف لم يقدم. يجب التحقق من بند توزيع الأتعاب بين المراحل، وسبب العزل، والأعمال التي أنجزت، وما إذا كان الفسخ وقع وفق النص المعدل للمادة 26، وما الذي يبينه خبير التقدير عند انطباق شروطه.
وقد يثبت المستند أن المرحلة الثانية لم تبدأ، أو أن المحامي حضّر مذكرة الاستئناف رغم عدم إيداعها، أو أن الموكل سحب الوكالة لسبب موثق. يترتب على كل صورة تقدير مختلف، ولذلك يحمي الطرفين محضر تسليم الملف وكشف الأعمال والتحويلات ورسائل تحديد النطاق.
أخطاء يقع فيها المحامي والموكل عند النزاع
- الاستناد إلى نص قديم للمادة 26 دون الإشارة إلى تعديل عام 2025.
- إهمال العقد المكتوب الذي أوجبته المادة 24 من اللائحة الحديثة.
- اعتبار المحكمة التجارية مختصة بكل خلاف أتعاب لمجرد أن الموكل شركة.
- المطالبة بنسبة موحدة من قيمة الحكم دون اتفاق أو أساس نظامي.
- اعتبار خسارة القضية دليلًا تلقائيًا على خطأ المحامي أو سقوط الأتعاب.
- عدم خصم الدفعات السابقة أو تكرار إدخال المصاريف ضمن قيمة الدعوى.
- استخدام المستندات أو أسرار الموكل للضغط خارج الإجراءات الرسمية.
- ترك تواريخ الفسخ والعزل والمرحلة المنجزة دون توثيق.
أسئلة شائعة حول تقدير أتعاب المحامي بعد القضية
هل تقدّر المحكمة الأتعاب حتى لو كان هناك عقد؟
تحدد المادة 26 المعدلة أحوال التقدير عند غياب الاتفاق أو بطلانه أو فسخه أو انفساخه، ويُراجع العقد الصحيح لتحديد المستحقات وشروطها، مع مراعاة القواعد الخاصة بالعزل ووقائع الخلاف. لا يصح اختزال كل قضية في نسبة تعسفية دون تقييم المستندات.
هل الاتفاق الشفهي وحده كافٍ؟
تنص المادة 24 من اللائحة على وجوب تحرير عقد مكتوب قبل بدء العمل. ويمكن أن تثار أدلة أخرى حول وجود خدمات قدمت والجهد والنفع، لكن هذه المسألة تختلف عن اعتبار التوثيق الشفهي امتثالًا لواجب العقد المكتوب.
من المحكمة المختصة إذا كان العمل صياغة عقد دون دعوى؟
تقرر المادة 25/2 أن الاختصاص يكون بحسب الاختصاص النوعي للمحاكم وفق الأنظمة ذات الصلة، ولا يُفترض إسناده إلى المحكمة التي لم تنظر أي دعوى أصلًا.
هل يكفي إلغاء الوكالة لإنهاء جميع الالتزامات المالية؟
لا بالضرورة. إنهاء التوكيل لا يغني عن مراجعة عقد الأتعاب وسبب العزل والأعمال المنجزة والمبالغ المستحقة، كما أن المادة 27 من نظام المحاماة تضع أثرًا معينًا للعزل غير المشروع وفق شروطه.
هل يحتاج النزاع إلى خبير؟
تنظم المادة 27 من اللائحة التقدير بواسطة خبير بقرار المحكمة في الأحوال التي تحددها، مع مراعاة طبيعة العمل والنفع وأتعاب المثل والخبرة وسائر المعايير. ليس تقرير الخبير بديلًا عن سلطة المحكمة في الفصل في النزاع.
هل دعوى الأتعاب هي نفسها الشكوى التأديبية على المحامي؟
لا. منازعة الاستحقاق المالي تتصل بالعقد والاختصاص والتقدير، أما الشكوى التأديبية فتتصل بمخالفة الواجبات المهنية وتخضع لإجراءاتها. قد تجتمع مسائل مختلفة في وقائع واحدة لكن طريقها وأثرها ليسا متماثلين.
الخلاصة والمراجع الرسمية
المفتاح في نزاع أتعاب المحاماة بعد انتهاء القضية هو توثيق العقد وتحديد نطاق العمل وأسبـاب انتهائه، ثم تطبيق المادة 26 المعدلة والمواد 24–27 من اللائحة الحديثة على الوقائع الخاصة، مع التمييز بين دعوى الأتعاب والشكوى المهنية وتعويض مصروفات التقاضي. راجع المرسوم الملكي بتعديل المادة 26 في 2025، واللائحة التنفيذية لنظام المحاماة، ونظام المحاماة. المعلومات للتثقيف ولا تحسم نزاعًا محددًا دون فحص العقد ومستنداته.

تنبيه Pingback: أتعاب المحامي في القضايا التجارية بالسعودية - المحامي رامي الحامد فرع الرياض
التعليقات مغلقة.